مشاركة مميزة

طرد 50 موظف ومهندس عربي اهوازي من مصفاة عبادان وتوظيف مهاجرين بدلهم

تلقت منظمة حقوق الانسان الاهوازية أنباء عن طرد 50 موظفا ومهندسا وفنيا من العرب الاهوازيين المتعلمين والخبراء بعملهم وبعضهم لهم تجارب وخبر...

العلاقات الأمريكية ـ الإيرانية.. الواقع الحالي واحتمالات المستقبل


مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

شهدت العلاقات الأمريكية - الإيرانية، تطورات لافتة للانتباه بعد احتلال العراق والتصعيد بين البلدين على خلفية الملف النووي الإيراني وما تبعه من تفاعلات قيل إنها قد تمهد لحوار إيراني - أمريكي خاصة بعد عرض الحوافز الأوروبية لطهران للتخلي عن تخصيب اليورانيوم.
ورغم أن مؤشرات التدهور الحاصل في العلاقات بين البلدين قد بدأت عام 2002م عندما أعلنت الإدارة الأمريكية أن إيران إحدى أضلاع محور الشر، فإن الفترة بين عامي 2002 و2004م شهدت غض الطرف من قبل كلتا القوتين إزاء الأخرى، وفقا لحسابات سياسية كانت في مرحلة التشكل، وتحديدًا ما يتعلق بالدور الإيراني في تسهيل نجاح الولايات المتحدة في احتلالها كلا من أفغانستان والعراق، ثم ما لبث مؤشر العلاقة أن اتجه مرة أخرى نحو خطاب التصعيد خلال عامي 2005 و2006م بسبب تعثر المفاوضات الأوروبية حول البرنامج النووي الإيراني، التي انتهت بإعلان طهران يوم 11 أبريل 2006م نجاحها في تخصيب اليورانيوم، والاتهامات الأمريكية لها بالتدخل في شؤون العراق ودعم جماعات مسلحة. وتتأثر علاقات الدولتين بأبعاد كثيرة، أهمها: ان كلاً منهما يعطي للآخر أهمية كبيرة في صياغة بعض خياراته على الساحة الدولية، فبالنسبة إلى إيران تتجسد تلك الأهمية في عدة تبادلات سياسية؛ فعلى الصعيد الداخلي هناك تدخل أمريكي في إثارة دعوات الإصلاح السياسي. وعلى الصعيد الإقليمي تبدو إيران محاصرة بحلفاء الولايات المتحدة باكستان وتركيا إضافة إلى العراق وأفغانستان اللتين يمثلان ساحتا شد وجذب ومناوشات مفتوحة بين الطرفين. ولم تحسم بعد مسألة ولاء أو اصطفاف أي من الدولتين وكذلك خياراتهما الإقليمية، نظرًا إلى حجم الاستثمارين الأمريكي والإيراني فيهما. وعلى المستوى العالمي، تريد الولايات المتحدة صياغة نظام شرق أوسطي يسهم في ضبط التفاعلات الدولية، وتشكل إيران في هذه المعادلة أحد المتغيرات المؤثرة بالسلب في مرونة تنفيذ خيارات السياسة الأمريكية في المنطقة، وفي إنشاء ذلك النظام. وفي كل الأحوال، لن تكون الدول العربية بعيدة عن تفاعلات هذه العلاقة، لمبررات كثيرة تبدأ من سعي إيران إلى تصوير صراعها المحتمل مع الولايات المتحدة على أنه صراع مع المذهب الشيعي، وأن الشيعة العرب جزء مستهدف في ذلك الصراع، إضافة إلى الدور الاستخباراتي الإيراني في وسط وجنوب العراق، وتبعية أغلب القوى السياسية الشيعية هناك لها واتجاه العراق نحو الانفصال أو الابتعاد عن محيطه العربي، علاوة على النشاط الإيراني في استعراض القوة عبر المناورات العسكرية المتكررة في الخليج، وإعلان طهران تخصيب اليورانيوم ودخولها النادي النووي. والأمر المؤكد أنه إذا ما أصبحت إيران قوة نووية فإن العرب سيقعون تحت ضاغطين استراتيجيين واضحين، إيران وإسرائيل. تاريخيًا تشير العلاقات الأمريكية - الإيرانية وتحديدًا قبل التغير السياسي الذي جرى في إيران عام 1979م، إلى سيادة نهج التحالف، وعلى نحو أدق علاقات الأصيل - الوكيل في العلاقات بين الدولتين، إلا أن التغير الذي أحدثته الثورة الإسلامية في طهران استتبعه حدوث تدهور ظاهر في هذه العلاقات نحو النهج العدائي في الخطاب السياسي. وقد بدأ هذا التدهور عندما تأكدت أهمية موقع المنطقة في صياغة الخريطة السياسية للنظام العالمي الجديد، وعندما بدأت إيران التحرك أو التحالف مع روسيا والصين المنافستين للولايات المتحدة، فيما جاءت تحركات طهران صوب بناء قدرات تكنولوجية نووية متقدمة لتعطي مؤشرًا على أن هذه القوة تتجه إلى تنفيذ استراتيجية سياسية إقليمية «طموحة«، اصطدمت بطبيعة الحال بالسياسات الأمريكية القائمة على الحيلولة دون وجود قوى مناهضة لمصالحها في المنطقة، في الوقت الذي عملت فيه إيران على تطويق احتمالات جعل أفغانستان والعراق قاعدتين لضربها مستقبلاً عبر التدخل فيهما، وجعلهما بؤرًا لمواجهات غير مباشرة مع الولايات المتحدة بواسطة توابعها التقليديين في هاتين الدولتين. وقد كشف إدراج إيران ضمن تصنيف دول محور الشر عن تحول جوهري في العلاقة بين الدولتين، خاصة أن الولايات المتحدة لم تكتف بذلك فحسب، بل أخذت تمارس سياسات فرض الطوق حولها.. فأفغانستان والعراق سقطا في دائرة النفوذ السياسي الأمريكي.. وتركيا وباكستان حليفتان تقليديتان لها.. وهي موجودة عسكريًا في الخليج العربي، وقد أخذت بالتصعيد في خطابها السياسي، وكانت تصريحات الجنرال جورج كيسي قائد القوات الأمريكية في العراق في 22 يونيو 2006م ملخصة لهذا التوجه؛ حيث أكد أن واشنطن على يقين من أن الإيرانيين يمدون الجماعات الشيعية المتطرفة في العراق بالأسلحة ومعدات التفجير والعبوات الناسفة ويدربون أفرادها في العراق وإيران وربما في لبنان. ورغم ذلك، فإن الواقع يؤكد أن العلاقات بين الدول هي مزيج من فرص وكوابح؛ حيث يصعب الحديث عن علاقات صراع مطلق أو تعاون مطلق، ويتوقف مستقبل أي علاقة على مسألتين، الأولى: بروز شأن أحد المتغيرات أو مجموعة منها بما يعطي تفوقا لمسار دون آخر، أما الثانية، فهي الإرادة السياسية للتحكم بالمسار السياسي للعلاقة أو ضبط إيقاعه. وتكاد العلاقة بين الدولتين لا تختلف عن هذا التقديم، فهناك متغيرات عدة تدفع بالعلاقة بينهما نحو التطور الإيجابي إذا ما امتلك كل منهما الإرادة السياسية لذلك، وفي الوقت نفسه يوجد العديد من المتغيرات المعوقة لتطورها. فالفرص التي تتيح إمكانية التحول الإيجابي في مسار هذه العلاقة سواء ما كان منها متعلقا بالولايات المتحدة أو بإيران، أو بالبيئة الخارجية المؤثرة في علاقاتهما ببعض، متعددة؛ حيث شهدت السياسات الإيرانية محاولات تكييف مستمرة، وأحيانًا إعادة تقييم وصياغة لبعض مبادئها الأساسية، بقصد الوصول إلى أفضل الأساليب في التعامل الفاعل والمجدي مع البيئة الدولية المتغيرة.. إلا أن هذا التوجه تغير مع صعود المتشددين إلى سدة الحكم ممثلين في الرئيس محمود أحمدي نجاد منتصف عام 2005م الذي دفع إلى بروز مبدأين كلاهما سلبي، الأول: زيادة مكون عدم الثقة بعلاقات إيران الإقليمية، والثاني: سعي إيران إلى تحقيق شراكة غير متكافئة مع دول الخليج. ويظهر المبدأ الأول، والمشفوع بإرث تاريخي سلبي للهيمنة على الخليج منذ عهد الشاه واحتلال الجزر الإماراتية الثلاث، في تحريك اللعبة في العراق وفقا للمصلحة الإيرانية، واستعراض القوة في منطقة الخليج، والنشاط الدبلوماسي الإيراني الواسع في المنطقة ولاسيما في تلك الدول التي تتمتع إيران فيها بنفوذ. أما المبدأ الثاني، فيتمثل في دعوة إيران دول المنطقة إلى الدخول في ترتيبات مشتركة بشكل مباشر، رغم أن هناك شكوكًا في نيات إيران نحو الهيمنة. واليوم، نجد أن حدود التحول الممكنة في السياسة الإيرانية، وذات الصلة بالعلاقة مع الولايات المتحدة، تقف عند ثلاث فرضيات رئيسية، هي: (1) الاستمرارية: أي بما يفيد استمرار إيران في المواءمة بين أولوية البناء الداخلي وبناء علاقات إيجابية مع القوى الكبرى (روسيا، الصين...) لكن ما يعوق هذا النهج ما ظهر من ممارسات سياسية، تدفع باتجاه تنفيذ أدوار إقليمية أكثر سعة، استجابة لمتغيرات احتلال العراق (2003م)، أو تعظيم الارتباطات العالمية لتلافي الضغوط الأمريكية. 2- التوسع في تنفيذ الأدوار الإقليمية: وفيه سيلجأ صانع القرار الإيراني إلى وضع الإمكانات المتاحة لديه في تلبية مطالب وطموحات إقليمية.. والتحول نحو هذا الخيار إما أن يكون نتيجة إدراك النظام السياسي حدوث تحولات أساسية في مواقف البيئة الدولية إزاء القضايا الوطنية الإيرانية، وإما يكون في اعتماد خيار التوسع بالأدوار الإقليمية لدفع الأخطار الجسيمة التي تواجه النظام السياسي بعد اكتمال الطوق الأمريكي حوله، وأفضل ما ظهرت عليه هذه الرؤية دور إيران في العراق. 3- الارتباط بعلاقات تحالف مع القوى الكبرى (روسيا والصين): بما يعنيه ذلك من رصد للإمكانات لصالح تنفيذ أدوار سياسية دولية محددة. رغم أن كثافة الوجود الأمريكي الإقليمي، وبقاء مشروع واشنطن السياسي في تحجيم الدور الإيراني، يقللان من فرص تنفيذ إيران أدوارًا سياسية إقليمية صعبة التحقق. وأمام هذه الخيارات الإيرانية، يمكن تحديد نمط الاستجابة الأمريكية.. وفقا للتقديرات الآتية: (1) ان النظام العربي وما يحيط به غير مستقر، وهو ما يجعل مستقبل المنطقة غير واضح، ولاسيما أنه يرتبط بخمس مسائل جوهرية، هي: ارتفاع أسعار النفط الذي تجاوز السبعين دولارًا، مستقبل العراق الذي يراوح بين الحرب الأهلية غير المعلنة وبين اللااستقرار، الصراع العربي - الإسرائيلي، سياسات روسيا والصين تجاه المنطقة، طبيعة التغير الذي سيطول النظم الحاكمة. (2) ان قدرة الولايات المتحدة على ممارسة سياسات القوة في تناقص مستمر، كما ظهر في الأزمة العراقية.. واستجابة لهذا القصور اتجهت واشنطن نحو اعتماد استراتيجية للأمن القومي عام 2005م، تفيد أنها ستفعل أي شيء تعده في مصلحتها في أي مكان وأي زمان تختارهما بصرف النظر عن مصالح الآخرين حتى لو مثل ذلك خرقا للاتفاقيات الدولية، بمعنى استباق العمل بالقوة.. والأسباب الكامنة وراء هذه الاستراتيجية تكمن في كون قدرة الولايات المتحدة على منع انتشار القوة، وسياسة الردع باتت ضعيفة. لكن هذا لن يمنعها من الدفاع عن مصلحتها القومية، أحاديًا، ويعزز هذه الضرورة أن التغييرات في ميزان القوى في المجتمع الدولي تسمح بانتهاج الاستراتيجية الاستباقية. (3) ان سياسة القوة الأمريكية تدفع الدول الأخرى إلى زيادة عناصر قوتها؛ حيث انتهى مجلس الاستخبارات القومي الأمريكي في تقريره (رسم خريطة المستقبل العالمي، مشروع سنة 2020م) إلى أن أهم سمة ستحدد العالم خلال المستقبل المتوسط هي صعود قوى جديدة أبرزها الصين والهند، وبروز تحديات جديدة للحكم، أهمها: استيعاب ضغوط التعددية، وضغوط سياسات الهوية المتمركزة على اعتقادات دينية، وشعور أكثر تغلغلاً بانعدام الأمن، بما في ذلك الإرهاب. هذه التقديرات السابقة، تبين عدم انسجام مصالح الولايات المتحدة مع فرض الاستمرارية في السياسة الإيرانية، فهذا الفرض يتضمن وجود سياسة إيرانية لا تجعل كسب ود الولايات المتحدة من أولوياتها، كما أنه ليس من شروطها مقاومتها. وفي هذه الحالة ستكون الولايات المتحدة واقعة تحت ضغط الخيار بين تصعيد الضغوط القسرية ضد إيران حتى تستجيب للسياسات الأمريكية، أو مناوئة القوى الكبرى في مسألة دعم إيران وهذا الأمر بات غير مرغوب فيه من القوى الكبرى المنافسة التي تتطلع إلى موقع متقدم في النظام الدولي القادم. كما أن مصالح الولايات المتحدة لن تفضل اعتماد إيران على التحالف مع القوى الكبرى الأخرى؛ إذ يتوقع خلاله تراكم المشاعر المعادية لما هو أمريكي داخل إيران، كما ينذر باحتمال إعادة توزيع الأدوار إقليميًا في ظروف تسييس الدور الإقليمي لإيران، وفقا لمشيئة القوى الكبرى المنافسة. وهنا ستكون مسألة ضبط الخريطة السياسية الجديدة للمنطقة صعبة بالنسبة إلى واشنطن، كما أنه سيفتح المجال لتلك القوى في تحقيق اختراقات أخرى للسيطرة الأمريكية. في حين سيجد صانع القرار الأمريكي فرصة جيدة لتطوير العلاقة مع إيران إذا ما اعتمدت الأخيرة فرض أداء أدوار إقليمية واسعة بالمنطقة؛ حيث ستكون السياسة الإيرانية ملزمة في معظم الأحيان بتصعيد دواعي واعتبارات المصلحة الوطنية في تنفيذ تلك السياسة حتى تضمن عدم حدوث استقطاب أمريكي حاد ضدها، وقد تلجأ إلى توسيع هامش الاعتبارات الأيديولوجية - الفئوية في سياساتها الإقليمية بغية تشكيل عنصر ضاغط على الدول الأخرى في الإقليم، كما هي الحال في سياساتها إزاء العراق من دعم لبعض القوى السياسية لتمكينها من الاستحواذ على المناصب السياسية في الدولة العراقية. وما يساعد على تذليل الصعوبات وإجراء مثل هذا التقارب أن إمكانات إيران الذاتية تتيح لها مستقبلاً ممارسة أدوار فاعلة في إعادة صياغة الخريطة السياسية للمنطقة المحيطة بها، كما أنها محاطة بأكثر من امتداد فئوي موال لها في أفغانستان والعراق والخليج، وأدركت الولايات المتحدة الوضع المحرج الذي تعنيه قدرة إيران، في التحكم بوسط وجنوب العراق في تثبيت الوضع السياسي في هذا البلد قبل أن تتجه إلى الخيارات الأخرى، فاتجهت إلى القبول بمفاوضة الإيرانيين حول الشأن العراقي في منتصف شهر مارس 2006م، والقبول بالطرح الأوروبي بإعطائها حوافز سياسية واقتصادية للقبول بوقف تخصيب اليورانيوم. في مقابل ذلك، تشهد علاقات الولايات المتحدة العالمية تحولاً تدريجيًا من الشراكة مع القوى الكبرى إلى الصراع؛ فعلاقات الشراكة الحالية تقوم على كم لا يحصى من التناقضات التي تم احتواؤها تحت ضغط عدم قدرة القوى الكبرى الأخرى على تحمل كُلف الصراع مع الولايات المتحدة؛ إذ تقف واشنطن بجميع مقاييس القوة التقليدية المنفرجة الساقين عبر الكرة الأرضية، فالولايات المتحدة مثلاً أنفقت على قواتها عام 1995م (336.6) و(455.3) مليار دولار عام 2003م، والصين (14) ، و(35.4) مليار دولار، وروسيا (14.7)، و(19.4) مليار دولار، وفرنسا (46.1) ، و(46.17) مليار دولار، وألمانيا (37.8)، و(8.33) ملايين دولار، هذه الصورة تتغير باستمرار وتزداد إمكانات القوى الأخرى باتجاه القدرة على التنافس العالمي، في حين تتراجع تدريجيًا قبضة الولايات المتحدة على العالم. هذه الحقيقة تدركها واشنطن، وتسعى نحو إعادة تصميم مسرح الأحداث العالمي، وميدان الصراع المقبل مع القوى الأخرى: شبكة الصواريخ الدفاعية، وإقامة علاقات تحالف وثيقة مع القوى الإقليمية الفاعلة أو السيطرة على مناطق إقليمية مهمة. واستكمالاً للصورة السابقة، فإن إيران قوة ذات ثقل سياسي يصعب تجاوزها في الإقليم، فإذا ما استطاعت الولايات المتحدة إدخالها تصنيف الدول المتعاونة أو في أفضل الأحوال تحييد الدور الإقليمي الإيراني، فإن ذلك سيجعل حلقة الحلفاء مكتملة: تركيا، العراق، إيران، باكستان... إضافة إلى إسرائيل، وتتم بذلك عملية عزل الصين وروسيا، وربما حتى الهند إذا ما تقاطعت سياستها مع السياسات الأمريكية. إن العلاقة الأمريكية - الإيرانية هي محصلة لحقبة عداء متصاعد، إذ أفضى تزايد المسافة بين مشروعيهما إلى اقتران علاقاتهما بخصائص الصراع: وعدم الثقة، والتفاعل العدائي... وللتحول صوب العلاقات السلمية يفترض أن تنتهج واشنطن منحى مختلفًا عن إثارة إيران ضدها، وأن تحترم خيارات ومصالح الأخيرة، خاصة في مجال تطوير القدرات. وإذا لم تكن هناك مزايا كبيرة من اعتماد الخيار أعلاه، فإنه بالتأكيد سينتهي إلى تقليل الكلف والالتزامات الواجبة على الولايات المتحدة في المنطقة، وضبط التفاعلات الإقليمية بإمكانات أقل، وتوجيه الفائض من الموارد الناجم عن تحويل إيران، من خانة العدو لصالح ضبط تفاعلات إقليمية أخرى في العالم، وفي هذا تتجلى مكاسب الولايات المتحدة. والأكثر من ذلك، أن مبدأ النفعية في السياسة الأمريكية قد يفتح خطوة نحو حدوث تحول في السياسات الأمريكية إزاء إيران، لأن جماعات المصالح الأمريكية لن تنتظر حتى تستحوذ القوى المنافسة على موارد إيران وأسواقها. ويمثل البرنامج النووي الإيراني متغيرا آخر شديد الأهمية في العلاقات بين الدولتين، فقد وضعت قضية هذا البرنامج أمام الولايات المتحدة وأوروبا اختبارين حاسمين: أولهما: رغبة الطرفين الاستمرار في دعم أحدهما الآخر إزاء قضايا عالمية مهمة. وثانيهما: عقد العزم على ثني الدول الأخرى سواء بالإقناع أو القسر عن امتلاك السلاح النووي ووسائل إيصاله. والاختباران هما في صلب العلاقة الأمريكية - الأوروبية. وتكاد المسألة حول إيران لا تشبه ما حصل مع العراق، فلا يوجد اتفاق مقبول على اللجوء إلى الخيار العسكري، وهناك رأي فاعل يدعو إلى الاعتماد على وكالة الطاقة الذرية، وغيرها من المؤسسات الدولية. وفي العموم، فإن موقف الولايات المتحدة إزاء البرنامج النووي الإيراني يتعلق بمدى إبداء إيران التعاون في المجال النووي، ووقف المساعدة التي تقدمها روسيا له. أما المسألة المهمة لمعظم الأوروبيين فهي المتعلقة بالطموحات النووية الإيرانية. وبدأ تلمس هذه المواقف بشكل واضح منذ أغسطس عام 2002م عندما تم تسريب معلومات عن إنشاء إيران مفاعلين نوويين متقدمين. وإظهار التحقيق الذي جرى بواسطة الوكالة الدولية أن إيران قد انتهكت التزاماتها في عدم الانتشار، وتواصل برنامجًا سريًا لإنتاج مواد قابلة للانشطار، وقد وصلت إلى مراحل متقدمة في مجال التعامل مع المواد النووية مقارنة بالدول الأخرى التي كانت تثار شكوك حول برامجها النووية. بيد أن الفترة الأخيرة حملت مؤشرات مهمة عن احتمالات قرب انفراج أزمة الملف النووي الإيراني بعد الردود التي وصفت بالإيجابية لطهران على برنامج الحوافز الذي قدمه الاتحاد الأوروبي لطهران يوم 5 يونيو 2006م الذي تضمن تعهدات بعدم القيام بعمل عسكري ضد طهران وتقديم حوافز اقتصادية والإقرار لها بدور إقليمي واسع مقابل إخضاع برنامجها النووي للتفتيش الدولي الصارم، وتوقفها عن أنشطة تخصيب اليورانيوم أو إخضاع هذه الأنشطة لرقابة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إضافة إلى التغير الواضح في الخطاب الأمريكي تجاه طهران الذي أصبح يميل إلى استخدام مفردات الحوار والتعاون معها، حتى إن واشنطن أعلنت أنها لا تمانع قيام إيران بأنشطة التخصيب ولكن تحت رقابة الوكالة الدولية. ومع ذلك، فكل احتمالات تفاعل قضية البرنامج النووي الإيراني واردة، فهذه القضية أصبحت قضية سياسية في إيران، ترتبط مع الخط المتشدد الذي يرى في الولايات المتحدة وأوروبا قوى تحاول منعها من الحصول على حقها في امتلاك تكنولوجيا نووية متقدمة. ولذلك، فمن الواضح أن إيران لن تتخلى عن خيارها النووي بسهولة، وقد ولد احتلال الولايات المتحدة للعراق الخشية من أن تكون هي القادمة، طالما أن القوات العسكرية الأمريكية أصبحت تحيط بها. كما أن الاختلافات في المواقف الأوروبية والأمريكية والروسية تعطي إيران فرصة للمناورة؛ إذ ليس بالضرورة أن تقود تهديدات الولايات المتحدة إلى نتائج فاعلة، والخيار العسكري ليس مضمونًا في المرحلة المنظورة، أما بالنسبة إلى الأوروبيين فيبدو أنهم غير موافقين تمامًا على متابعة الخيار الأمريكي في اعتماد نظام العقوبات الدولية. ومن ثم، فإن الارتقاء بالعلاقة الأمريكية - الإيرانية سيكون رهينة لدوافع إيران في مجال السلاح النووي، ولاسيما أن الدافع لاستمرارها في برنامجها النووي والتسليحي هو مواجهة مخاطر الوجود الأمريكي في المنطقة، وهذا ما يجعل من الصعوبة اعتماد أي تنازلات بشأن هذا البرنامج ينتهي بها إلى التخلي عنه بسهولة أو في ظل وجود تطمينات ضعيفة، أو من دون حصولها على ضمانات حول مصالحها القومية. وإجمالاً، فإن التقابل الحاصل بين الفرص المتاحة لتطوير العلاقة أمام إيران والولايات المتحدة، والكوابح التي تحد من تطورها إيجابيًا، يشير إلى أن المستقبل يميل لصالح إعطاء وزن أكبر للكوابح، بمعنى أن احتمالات أن تسوء العلاقة عما هو قائم الآن يلقى القبول، سواء كان ذلك على مستوى التطلعات والرؤى أو على صعيد مستوى مجالات العلاقة القابلة للتطور. وهذا التقديم لا ينفي الفرض القائل باحتمالات تحسن العلاقة بينهما عما هو قائم الآن، رغم أنه أكثر الفروض ضعفًا خلال المستقبل القريب والمتوسط. وإذا ما اعتمدنا فرضية التحسن في علاقة الدولتين نجد أنها قد تأخذ بواحد من احتمالين، الأول: التحول نحو وضعية السلام البارد والحرب الباردة، بمعنى اتجاه الولايات المتحدة نحو وقف التصعيد في خطابها السياسي المناوئ لإيران. والثاني: هو تجاوز العلاقات السلبية بين الدولتين، ويتوقف حدوث هذا الاحتمال على قدرة القيادتين الأمريكية والإيرانية على تجاوز مرحلة العداء السابقة، والتغاضي من الكوابح التي تحد من تدعيم علاقاتهما، والاتجاه بدلاً من ذلك نحو تعزيز فرص ومجالات التعاون الممكنة بينهما.. وفي هذا المشهد قد تتكبل مرونة الحركة وسعة الخيارات أمام إيران، ويظهر الالتزام بجدوى مراعاة المتغير الأمريكي عند صنع وتنفيذ سياساتها الدولية. بيد أنه قد يعوق حدوث التطور الإيجابي السابق والاندفاع بدلاً منه نحو اعتماد سياسات تصارعية حادة من قبل الطرفين إزاء بعضهما بعضا متغيرات أخرى، أهمها: حدوث تحول في سياسات إيران الخارجية باتجاه المزيد من التشدد، والمعاداة لمصالح الولايات المتحدة، أو حدوث أزمة دولية خطيرة، تكون الولايات المتحدة طرفًا فيها، وتدفعها هذه الأزمة نحو العمل على ضمان تحقيق مصالح البلاد العليا، والمحافظة على المكانة العالمية التي تحظى بها.

http://www.akhbar-alkhaleej.com/ArticlesFO.asp?Article=171549&Sn=DRAS


EmoticonEmoticon