مشاركة مميزة

طرد 50 موظف ومهندس عربي اهوازي من مصفاة عبادان وتوظيف مهاجرين بدلهم

تلقت منظمة حقوق الانسان الاهوازية أنباء عن طرد 50 موظفا ومهندسا وفنيا من العرب الاهوازيين المتعلمين والخبراء بعملهم وبعضهم لهم تجارب وخبر...

اللاَّعنف يقوِّض جدران الكراهية ويمدُّ جسور السلام والمحبة

في ظلِّ كلِّ هذا العنف الذي يكتنف حياتنا ويضرب في عمق ذواتنا، يبدو الكلام على اللاعنف ضربًا من السير عكس كلِّ ما هو سائد في ثقافتنا وسلوكنا. فرائحة العنف تملأ أماكننا، نفوسنا، لغتنا حتى، وترفض أن تخلي مكانها لتلك اللغة التي قال عنها جان ماري مولِّر، الفيلسوف الفرنسي والمناضل اللاعنفي، إنها اللغة العالمية التي حلم بها غاندي لغةً لحوار الثقافات.

جان ماري مولِّر، كما جاء في كتابه الأخير قاموس اللاعنف[*]، بات مرجعًا عالميًّا في نشر ثقافة اللاعنف، وهو من مؤسِّسي "الحركة من أجل بديل لاعنفي" MAN. وقد جاب العالم متفاعلاً مع أبرز المجموعات اللاعنفية، مناصرًا لها، وأحيانًا مشاركًا ميدانيًّا في نضالها. وقد حطَّ به الرحالُ مؤخرًا في دمشق، بدعوة من دار معابر للنشر، ضيفًا محاضرًا حول غاندي واللاعنف في المركز الثقافي الفرنسي.

قال جان ماري مولِّر في مستهل محاضرته:

ستون عامًا مرت على رحيل غاندي المأساوي وأربعون على رحيل مارتن لوثر كنغ، بوصفهما الوجهين البارزين في مسيرة اللاعنف، إلا أننا ما نزال بعيدين اليوم عن تمثل رسالة اللاعنف. فالعنف لا يزال مستشريًا في العالم أجمع. وما قاله جواهر لال نهرو، رفيق غاندي، يوم رحيله هو خير تعبير عما نحن فيه اليوم: "لقد خبا نور حياتنا، وفي كلِّ مكان ليس إلا الظلام... حبيبنا الغالي وأبو أمتنا غاب... النور انطفأ."

غاندي أفضل الوسطاء

"أية صورة نحملها لغاندي؟"، يتساءل جان ماري مولِّر. حقًّا لقد كان هذا الرجل أفضل الوسطاء بين الشرق والغرب، كان هذا الرجل في أفضل موقع لإدارة حوار الحضارات. وقد جاءت حياته وموته كي تخدما الكرامة الإنسانية وحرية البشر. لقد أراد أن يصل بنا إلى البعد العالمي الإنساني عبر التوصل إلى لغة عالمية لحوار الثقافات. ولا بدَّ اليوم من مواصلة البحث عن تلك اللغة العالمية التي حلم بها غاندي لغةً لحوار الثقافات.

غاندي لم يقل يومًا إنه ابتكر اللاعنف لأن اللاعنف متجذِّر في أقدم المنقولات الدينية والفلسفية التي كوَّنت الإرث الإنساني. ولكن على الرغم من ذلك، يمكن لنا أن نقول إن هناك "قبل غاندي" و"بعد غاندي" في اللاعنف. وهنا يتوقف مولِّر عند المعنى الفلسفي للاَّعنف، فيقول:

الفلسفة ليست حكرًا على أساتذة الفلسفة وحدهم؛ إنها إستراتيجية عمل وسياسة لحلِّ النزاعات. والخطر الحقيقي الذي يتهددها هو أن الواقعية السياسية تفرض الابتعاد عن الاقتضاء الأخلاقي والمعنوي. ولطالما حضَّنا غاندي على تحقيق المصالحة بين الحكمة والسياسة.

في تعريف اللاعنف

لغاندي نحو تسعين مجلدًا في اللاعنف، لا يدَّعي جان ماري مولِّر أنه أكمل قراءتها جميعًا، لأنه سيحتاج إلى "حيوات عدة" لكي يفعل، على حدِّ قوله. لكنه أورد لنا تعريفًا لغاندي باللاَّعنف يعتقد أنه الأدق تعبيرًا عنه، وهو "الغياب التام لسوء النية حيال كلِّ حي". لكن غاندي عدَّل لاحقًا هذا التعريف "السلبي" بآخر إيجابي حين قال: "اللاعنف هو حسن النية التام حيال كلِّ حي." ويضيف مولِّر:

لقد كان اللاعنف، في نظر غاندي، مبدأ يعبِّر عن حقيقة البشر، في حين يدمِّر العنف حقيقة الإنسان. فحينما يعتقد بشري أنه يمتلك الحقيقة فمن المؤكد أنه سيدافع عنها ضد "الأشرار". وقد تسوِّل له نفسه استعمال العنف للدفاع عن هذه الحقيقة – وهنا مكمن الخطر. كذلك هناك مَن يقول بأن هناك عنفا "جيدًا" وعنفًا "سيئًا"، وهذا ما يثير البلبلة، فنخاطر بأن نسيء فهم بعضنا بعضًا. على هذا، يجب أن تكون هناك صرامة فكرية في هذا حتى نميز بينهما.

إيجاد النزاع في حالة الظلم

قبل غاندي لم يكن هناك نزاع بين البريطانيين والهنود، وذلك لأن العلاقة بين العبد والسيد هي حياة سلام مادام العبد مستكينًا؛ لكن هذا "السلام" ينتهي عندما يبدأ العبد بالمطالبة بحقوقه وحريته. ولقد أوجد غاندي النزاع بين الهنود والبريطانيين عندما طالب بتحقيق المساواة وبنيل استقلال بلاده. إذًا يجب أن نقبل بوجود النزاع. من هنا ليس اللاعنف رفضًا للنزاع ولا للنضال!

لكن وجود الظلم يخل بتوازن القوى؛ وعندئذٍ لا بدَّ من قوة تجابه قوة الظلم. وهنا علينا التمييز بين القوة والعنف: فهناك قوة لاعنفية؛ إنها قوة العمل اللاعنفي. وبحسب غاندي، فإن العنف ليس حلاًّ للنزاع، لأن العنف إقصاء للآخر وقضاء عليه، لكنه إخلال بالغاية من النزاع وهو سيرورة قتل وموت.‏‏

شرعنة العنف

لا يجوز بأيِّ شكل تبرير العنف أو شرعنته. فالإنسان حيوان شرعي يريد أن يكون دائمًا على حق. والإنسان العنيف يسيطر ليبرِّر العنف، فيبني لذلك عقائد لـ"العنف المشروع" في نظره، كالدفاع عن النفس وفكرة الآخر المعتدي. وهنا يمكن الحديث عن معنى كلمة "لا" في اللاعنف، على اعتبار أنها ترفض أيَّ تبرير للعنف، وتنزع أية شرعية عنه، وتقطع الطريق على أية صلة بالعنف الذي هو جريمة ضد الإنسانية، وليس حقًّا من حقوق الإنسان. فالسيطرة على آلية العنف العمياء مستحيلة. كذلك فإن الضرورة لا تبيح الشرعية: حتى وإن بدا العنف ضروريًّا فهو ليس مشروعًا.

بين خيارَي الجبن والعنف

أحيانًا يجد المرء نفسه واقفًا بين خيارَي الجبن والعنف. فأيهما يختار؟ لقد قال غاندي، عندما سئل عن موقفه بين الجبن والعنف، أنه ينصح بالعنف، لكنه أردف بأن اللاعنف هو أفضل وأسمى بما لا يُقاس من العنف. فهو يتطلب شجاعة كبيرة واحترامًا للخصم. وهو، قبل أن يباشر حملته في العصيان المدني، كتب إنذارًا لنائب الملك البريطاني قال له فيه: "إذا لم تعترفوا باستقلال الهند سنبدأ بالمقاومة." وقد صدَّر إنذاره هذا بعبارة "صديقي العزيز"؛ وقد أغضبت هذه العبارة أصدقاءه، لكنهم أدركوا أن غاندي كان يحترم شخصية الإنكليز، لكنه لم يكن يحترم استعمارهم لبلاده وإذلالهم للشعب الهندي.

هكذا سار غاندي مشيًا على الأقدام مئات الكيلومترات، مستنفرًا الفلاحين للعصيان المدني، فيما عُرِفَ بـ"مسيرة الملح"؛ وهو ما أدى لاحقًا إلى اعتقال غاندي، واعتُقِلَ معه الآلاف من أبناء الشعب الهندي، حتى فاضت السجون، ثم أُطلِقَ سراحُهم جميعًا.

العنف ليس قضاءً محتومًا

لقد رفض غاندي التسليم بفكرة أن العنف قضاء محتوم، وإن كان يظهر لنا بأنه كذلك. فلأن العنف من صنع البشر فنحن قادرين على تفكيك هذا القضاء. عندئذٍ فقط نستطيع أن نقدم لأطفالنا حقَّ الحلم بعالم تملؤه الحرية والكرامة.

حقًّا إن اللاعنف يدعونا، كما قال مولِّر في ختام محاضرته، إلى تقويض جدران العنف والكراهية كي نبني مكانها جسور المحبة والسلام. وهنا يجب أن نتحلَّى بالخيال المبدع: فهندسة الجدران لا تحتاج إلى مخيلة، وحسبنا أن نتبع الثقالة الأرضية؛ أما هندسة الجسور فتحتاج إلى إبداع عظيم لأنها تعاكس هذه الثقالة!


EmoticonEmoticon